روايات وقصص

قبل عيد ميلادي السبعين

قبل عيد ميلادي السبعين بيومين فقط وجدت نفسي أبكي أمام حقيبة سفر مفتوحة فوق  ، بينما كان ابني يجلس في الغرفة المجاورة يبكي هو الآخر بسبب هدية استغرق أكثر من عام كامل في التخطيط لها والغريب أن تلك الهدية لم تكن شيئًا مؤذيًا أو مهينًا أو سببًا في ظلم أحد ، بل كانت من أجمل ما تلقيته طوال حياتي ومع ذلك تحولت خلال أيام قليلة إلى شرارة بين أبنائي وجعلتني أفكر للمرة الأولى في إلغاء كل شيء والبقاء في المنزل وكأن شيئًا لم يكن.

لو أخبرني أحد قبل سنوات أنني سأصل إلى هذه اللحظة لما صدقته ، لأنني طوال حياتي كنت من الأشخاص الذين يضعون أنفسهم في آخر القائمة دائمًا ، كنت أؤمن أن الأم الحقيقية هي التي تنشغل براحة أبنائها أكثر من راحتها وأن سعادتها تأتي من سعادتهم ، لذلك أمضيت عشرات السنين أعمل وأوفر وأضحي وأؤجل أحلامي الصغيرة دون أن أشعر بالمرارة ، كنت أفعل ذلك بحب وعندما كنت أرى أولادي يكبرون أمامي كنت أشعر أن كل التعب كان يستحق.

بعد وفاة زوجي قبل سنوات طويلة أصبحت حياتي أكثر هدوءًا وأكثر وحدة أيضًا ، لكنني لم أشتكِ يومًا ، كنت أزور أولادي وأزورني بعضهم وأقضي وقتي بين المنزل والمسجد وبعض الصديقات القديمات وكنت أعتبر نفسي امرأة محظوظة لأن الله منحني أبناءً يعيشون حياة مستقرة وأحفادًا يملؤون البيت ضجيجًا كلما اجتمعوا.

لكن رغم ذلك كان هناك حلم صغير ظل عالقًا في داخلي سنوات طويلة.

البحر.

ربما يبدو الأمر بسيطًا للبعض ، لكنه لم يكن بسيطًا بالنسبة لي.آخر مرة وقفت فيها أمام البحر كانت قبل سنوات طويلة جدًا ، يومها كنت أصغر عمرًا وأكثر نشاطًا وكان زوجي لا يزال على قيد الحياة وكنا نسير معًا على الشاطئ ونتحدث عن المستقبل وعن الأبناء وعن الأيام القادمة ، ثم مرت السنوات بسرعة مخيفة وكبر الأبناء وتغيرت الظروف وأصبحت الرحلات رفاهية لا مكان لها وسط المسؤوليات المتراكمة.

كنت أحيانًا أشاهد البحر في التلفاز وأتنهد دون قصد وأحيانًا أقول مازحة:

نفسي أشوف البحر مرة كمان قبل ما  ثم أضحك وأغير الموضوع.

لم أكن أعرف أن هناك شخصًا كان يستمع إلى تلك الكلمات ويحتفظ بها في قلبه.

قبل شهر تقريبًا ، جاء ابني الأصغر لزيارتي.

كان يبدو متوترًا بطريقة غريبة .. جلس بجانبي في الصالة وأخرج ظرفًا أبيض من حقيبته ثم وضعه أمامي.

ابتسمت وسألته:

2

قبل عيد ميلادي نبض الحكايات هذا؟

فقال:

افتحيه يا أمي.

فتحت الظرف ببطء وفي البداية لم أفهم ما أراه.

ثم قرأت اسمي ثم قرأت اسم المدينة الساحلية.

ثم قرأت موعد الرحلة ثم شعرت بأن قلبي توقف للحظة.

رفعت رأسي نحوه وأنا غير مصدقة فابتسم وقال:

عيد ميلاد سعيد يا أمي.

لم أتمالك نفسي.بكيت.. بكيت كما لم أبكِ منذ سنوات.

وعندما حاولت أن أستوعب المفاجأة أخبرني أن هناك مفاجأة أخرى.

قال إنه يعرف أنني أخشى السفر وحدي ، لذلك حجز أيضًا لصديقة عمري أمينة حتى ترافقني طوال الرحلة ودفع جميع التكاليف من ماله الخاص.

في تلك اللحظة شعرت بشيء لم أشعر به منذ زمن طويل.

شعرت أن أحدًا رآني.

ليس كأم.

ولا كجدة.

ولا كامرأة عجوز تجاوزت السبعين.

بل كإنسانة لها أمنيات وأحلام ومشاعر.

وبكيت أكثر.

أما هو فظل يضحك ويقول إنني البيت بالدموع قبل أن أصل إلى البحر.

منذ ذلك اليوم بدأت أعيش حالة من لم أعرفها منذ سنوات.

أخرجت حقيبة السفر القديمة من أعلى الخزانة.

اشتريت فستانًا جديدًا بلون أزرق أعجبني.

ذهبت مع صديقتي أمينة لشراء بعض الأشياء التي نحتاجها.

وأصبحنا نتحدث يوميًا عن الرحلة وكأننا فتاتان صغيرتان تستعدان لأول مغامرة في حياتهما.

كانت أمينة متحمسة أكثر مني أحيانًا.

وكلما اتصلت بي كانت تقول:

لا تنسي القبعة.

أو:

لا تنسي الدواء.

أو:

تخيلي عندما نجلس أمام البحر ونشرب الشاي.

فأضحك مثل طفلة.

لكن كل ذلك لم يستمر طويلًا.

بعد أيام قليلة علمت ابنتاي بأمر الرحلة ، وللأسف لم تكن ردة فعلهما كما توقعت أبدًا ، إذ اتصلت بي ابنتي الكبرى أولًا ، وفي البداية ظننت أنها تريد تهنئتي أو أن تسألني عن تفاصيل الرحلة كما فعلت صديقاتي ، لكنني أدركت من نبرة صوتها منذ اللحظة الأولى أن هناك شيئًا يزعجها.

قالت هل صحيح أن أخي حجز لك رحلة؟

أجبتها بابتسامة لم تكن تراها بالطبع:

نعم.

ساد الصمت لثوانٍ طويلة قبل أن تقول:

أمي ، هل تعلمين كم كلفته هذه الرحلة؟

استغربت السؤال كثيرًا ، لأن آخر ما فكرت فيه عندما رأيت الهدية كان ثمنها ، لذلك قلت ببساطة:لا.

فقالت بنبرة امتزج فيها العتاب بالغضب:

إذا كان يملك كل هذا المال ، فلماذا لا يساعد الجميع؟ ولماذا ينفق هذا المبلغ كله على رحلة واحدة؟

شعرت بشيء من الضيق يتسلل إلى قلبي ، لكنني حاولت أن أهدئها وأشرح لها الأمر بهدوء ، فقلت:

3

قبل عيد ميلادي نبض الحكايات

يا ابنتي ، إنها مجرد هدية عيد ميلاد.

إلا أنها لم تقتنع بكلامي ، واستمرت في الحديث وكأن ابنها ارتكب أ كبيرًا ، ثم أنهت المكالمة وهي لا تزال غاة.

وبعد ساعات قليلة اتصلت بي ابنتي الثانية ، وفي البداية ظننت أنها ستفرح لأجلي أو على الأقل ستسألني عن موعد السفر ، لكنني فوجئت بها تقول مباشرة:

أنا لا أفهم لماذا وافقتِ أصلًا.

سألتها بدهشة حقيقية:

وافقت على ماذا؟

فقالت:

على أن يدفع كل هذه الأموال من أجلك وحدك.

ثم أضافت بعد لحظة:

لو أراد أن يسعدك كان يمكنه أن يفعل شيئًا أبسط.

كانت كلماتها مؤلم أكثر مما توقعت ، لأنها جعلتني أشعر وكأن فرحتي أصبحت عبئًا على الآخرين ، وكأن عليَّ أن أعتذر لأن أحد أبنائي قرر أن يفعل شيئًا جميلًا من أجلي.

ومنذ ذلك اليوم تغير كل شيء ، إذ تحولت معظم المكالمات العائلية إلى نقاشات طويلة تنتهي باللوم ، فواحدة كانت ترى أن أخاها أخطأ عندما أنفق هذا المبلغ ، والأخرى كانت ترى أنني أخطأت عندما قبلت الهدية ، أما أنا فكنت أقف في المنتصف ممزقة بين رغبتي في الاحتفاظ بتلك الفرحة الصغيرة وبين خوفي من أن تتحول إلى سبب  دائم بين أولادي.

وأصبحت أفتح حقيبة السفر ثم أغلقها بعد دقائق ، وأخرج الفستان الأزرق الذي اشتريته للرحلة ثم أعيده إلى مكانه ، وأجلس أحيانًا أمام الحقيبة وقتًا طويلًا دون أن ألمس شيئًا ، وكأنها تحولت فجأة من رمز للسعادة إلى سؤال كبير لا أعرف كيف أجيب عنه.

لكن أكثر ما  قلبي لم يكن كلام ابنتي ولا نظرات اللوم التي شعرت بها في بعض المكالمات ، بل رؤية ابني نفسه ، ففي البداية كان يحاول التظاهر بالقوة ويكرر أمامي:

لا تهتمي يا أمي.

لكنني كنت أعرفه أكثر من أي شخص آخر ، وكنت أرى الحزن مختبئًا خلف ابتسامته مهما حاول إخفاءه.

ثم جاء اليوم الذي لم يعد قادرًا فيه على التظاهر ، إذ كنا نجلس في المطبخ نشرب الشاي كعادتنا ، وفجأة وضع الكوب جانبًا وقال بصوت مكسور:

والله يا أمي لم أقصد إلا الخير.

ثم  صوته تمامًا ، ووضع رأسه بين يديه وبدأ يبكي بطريقة أعادتني سنوات طويلة إلى الوراء ، إلى يوم  والده ، يوم رأيته عاجزًا عن إخفاء ألمه للمرة الأخيرة.

حاولت أن أهدئه ، لكنه استمر في الكلام وأخبرني بشيء لم أكن أعرفه من قبل ، إذ قال إنه ادخر ثمن الرحلة على مدار أكثر من عام كامل ، وكان يقتطع جزءًا من راتبه كل شهر ويضعه جانبًا ، وكلما فكر في التراجع أو شعر أن المبلغ كبير كان يتذكر جملة كنت أقولها دائمًا دون أن أعيرها أهمية:

4

قبل عيد ميلادي نبض الحكايات

نفسي أشوف البحر مرة تانية.

ثم رفع رأسه ونظر إليّ والدموع تملأ عينيه وقال:

كنت أسمعها منك في كل مرة يا أمي.

وسكت للحظة قبل أن يضيف بصوت  أكثر:

لو كنت اشتريت سيارة جديدة لما سألني أحد لماذا دفعت هذا المبلغ ، لكن لأنني صرفته على أمي أصبحت وكأنني ارتكبت

في تلك اللحظة شعرت أن قلبي يتمزق ، لأنني أدركت حجم الألم الذي يحمله داخله ، فهو لم يكن حزينًا بسبب المال ولا بسبب الرحلة نفسها ، بل لأنه رأى أجمل شيء حاول أن يفعله يتحول إلى سبب

ثم نظر إليّ مرة أخرى وقال:

كنت أريد فقط أن أراك سعيدة.

ولم أستطع الرد ، لأن كل الكلمات بدت صغيرة جدًا أمام ذلك القدر من الحب.

في تلك اللحظة لم أستطع الكلام.شعرت أن قلبي

كيف يمكن أن يتحول هذا القدر من الحب إلى سبب للحزن؟

كيف يمكن أن يصبح تحقيق حلم أم مشكلة عائلية؟

تلك الليلة لم أنم .. ظللت أفكر حتى  وفي النهاية وصلت إلى حقيقة بسيطة جدًا.

ابني لم يخطئ.

لم يأخذ مال أحد ولم يحرم أحدًا من حقه ولم يفضل نفسه على إخوته.

كل ما فعله أنه اشترى هدية من ماله الخاص لأمه في عيد ميلادها السبعين.

فلماذا يجب أن أشعر .ولماذا يجب أن يشعر هو بالذنب؟.ولماذا أسمح للوم الآخرين أن  شيئًا جميلًا صنعه الحب؟

في صباح اليوم التالي وقفت أمام المرآة طويلًا.رأيت امرأة بلغت السبعين. امرأة عملت كثيرًا وضحت كثيرًا.وبكت كثيرًا.وأجلت نفسها كثيرًا.

ثم سألت نفسي سؤالًا واحدًا.

إذا لم أسمح لنفسي بالسعادة الآن ، فمتى؟

بعد سنة؟ بعد خمس سنوات؟.بعد عشر؟ومن يضمن أصلًا أن أعيش كل هذا الوقت؟

عندها اتخذت قراري .. أغلقت الحقيبة.

ووضعت الفستان الأزرق داخلها.ثم اتصلت بابني وعندما رد ، قلت له قبل أن يتكلم:

لن ألغي الرحلة.

ساد الصمت لثوانٍ.ثم سمعته يبكي مرة أخرى.

لكن هذه المرة كانت دموع راحة.

قلت له:

يا بني ، طوال حياتي كنت أعلّمكم أن الحب نعمة ولن أرتكب لأنك أحببتني.

وفي يوم السفر ، بينما كنت أجلس في المطار إلى جوار صديقتي أمينة ، شعرت بشيء من السلام يعود إلى قلبي.

نظرت حولي إلى المسافرين.

ثم نظرت إلى السماء من خلف الزجاج وابتسمت.

لأنني أدركت أخيرًا أن لم تكن في الرحلة أبدًا.

المشكلة كانت أن بعض الناس ينسون أن الحب لا يُقسَّم بالحسابات وأن الهدايا ليست مسابقات للمساواة وأن الابن الذي يسعد أمه لا يرتكب خطأ ، حتى لو أغضب ذلك الآخرين.

وبينما كانت الطائرة تستعد للإقلاع ، أغمضت عيني للحظة ودعوت الله أن يحفظ أبنائي جميعًا ، ثم دعوت دعاءً خاصًا لذلك الابن الذي تذكر أمنية صغيرة قالتها أمه ذات يوم على سبيل الحلم وقرر أن يحولها إلى حقيقة.

وعندها فقط فهمت أن أجمل هدية لم تكن الرحلة نفسها ولا الفندق ولا البحر الذي سأراه بعد ساعات ، بل الشعور الذي أعاده إليّ ابني بعد سنوات طويلة من النسيان؛ شعور أنني ما زلت أستحق الفرح وأن العمر مهما طال لا يجعل الإنسان كبيرًا على الأحلام ولا كبيرًا على أن يُحَب.

الكاتبة #صابرين_محمد

تمت

إذا وصلت إلى النهاية اترك بصمتك وشاركها مع من تحب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Check Also
Close
Back to top button